التعليم راهناً والعمل مستقبلاً

حمد عبيد المنصوري

ستنتهي جائحة كورونا ، وستصبح من التاريخ، إنها حتمية نتمنى أن يكون حدوثها سريعاً، لكن الحياة لن تعود كما كانت عليه سابقاً، ولو أخذنا جانباً واحداً من حياة ما بعد كوفيد- 19، وهو العمل، سنجد أن عشرات الشركات الكبرى التي تستخدم مئات آلاف الموظفين قد مددت العمل عن بُعد لعام إضافي أو نحو ذلك، من دون أن تربط قرارها بأي مواعيد حول الخلاص من الوباء، ومن دون أن تنفي إمكانية أن يكون هذا النمط من العمل دائماً.

كأنما إحدى فضائل الجائحة هي أنها فتحت أعيننا على فرص جديدة لتحقيق المزيد من الكفاءة والجدوى من خلال العمل عن بُعد، في أقل تقدير ثمة من اكتشف أن بقاء الموظفين في بيوتهم لن يكون أمراً خاسراً، وهناك من أصبحوا على يقين بأن النمط الجديد من العمل هو أكثر جدوى سواء للأفراد أو للمؤسسات أو للمجتمع ككل، لهذا كان الكبار يتسابقون في التقاط الفرصة، فأعلنت جوجل بارتياح عن تمديد بقاء موظفيها في بيوتهم لمدة عام، ثم تبعتها أوبر ، ومعهما شركات مثل مايكروسوفت ، و تويتر ، و فيسبوك ، و أمازون ، و سبوتيفاي ، و هيتاشي ، و ماستركارد ، و ناشن وايد للتأمين.

لا توجد إحصائية تبيّن نسبة العاملين عن بُعد إلى العاملين في مكاتبهم في هذه اللحظة، لكن المؤكد أن أعداداً كبيرة من الشركات المتوسطة والصغيرة أخذت تحذو حذو الكبار انطلاقاً من اكتشافها بأن النمط الجديد من العمل ربما يكون أكثر كفاءة وفاعلية، وبالتالي أكثر جدوى.

هل هناك من يشكّ في أن العمل عن بُعد قد أصبح من الآن وإلى أجل غير مسمى أحد الأشكال الحاضرة بقوة في النشاط الإنساني المستقبلي؟

حسناً، ما دمنا نتحدث عن المستقبل، لا يغيب عن بالنا أن العاملين عن بُعد في المستقبل، هم الدارسون عن بُعد اليوم، لذلك، يمكننا القول إن إحدى مهمات المدرسة تتمثل في إعداد جيل قادر على التعامل بكفاءة مع التقنيات التي تمكنه من العمل والإبداع بمعزل عن قيود المكان والجغرافيا.

تلك كانت مهمة برنامج التعلم الذكي الذي أطلقته قيادتنا الرشيدة قبل كوفيدـ 19 بثماني سنوات، والذي كان واحداً من عوامل نجاحنا في اجتياز امتحانه بكفاءة يشهد عليها القاصي والداني.

قبل كوفيدـ 19 كانت الأصوات التربوية حول العالم تحذر من هيمنة التكنولوجيا والإنترنت على حياة الأطفال، وعندما اندلعت الجائحة، انقسم ملايين التلاميذ بين من حرم من التعليم ومن ساعدته التكنولوجيا للحصول على التعليم بشكل أو بآخر، وفي البلدان التي نجح فيها التعلم عن بُعد، وطفا على السطح نقاش حول عواقب غياب الأطفال عن بيئة المدرسة، وحرمانهم من التفاعل الحي مع المكان والأقران والمعلمين.

تلك الأسئلة، وهذه النقاشات، هي أمور صحية وضرورية، لكننا اليوم، ونحن نستعد لاستقبال اللقاحات وطي صفحة الجائحة، ينبغي أن نسأل أيضاً عن وجود استراتيجيات تربوية لتجهيز أجيالنا لمستقبل، سيكون العمل فيه افتراضياً بنسبة كبيرة للغاية.

أما عن دور المؤسسات الحكومية في كل ذلك، فللمقام مقال آخر في الأسبوع المقبل.