الأخبار

التكنولوجيا من أجل الخير

يبلغ عدد "سكان" العالم الافتراضي اليوم نحو 3.5 مليار إنسان، وهؤلاء يشكلون 45% من سكان عالمنا الواقعي، وفي فيسبوك وحدها "يقطن" نحو مليارين وربع المليار من البشر، وعما قريب سوف تتفوق "جمهورية" فيسبوك في عدد السكان على كل من الصين والهند مجتمعتين، لا سيما أن سكان ذلك العالم الجديد يزيدون بنسبة 9% في حين أن أعلى معدل للزيادة السكانية في دول العالم لا تتعدى 2.4%.

أرقام بهذا الحجم تفتح العيون على حقائق تبلغ من الخطورة أنها تستدعي الاهتمام على أعلى مستوى في العالم، ولا سيما في ضوء الثغرات الهائلة التي توفرها الإنترنت لمروجي الكراهية والإرهاب، الأمر الذي تجلى في حوادث عديدة من أبرزها هجوم نيوزيلندا الدموي، والذي تم بثه مباشرة عبر موقع فيسبوك وشاهده الملايين من البشر، أطفالاً ونساء ورجالاً.

في قمة "التكنولوجيا من أجل الخير" التي شهدت العاصمة الفرنسية باريس دورتها الثانية هذا العام، كان هذا المشهد مسيطراً على الجميع. وكان السؤال المحوري هو كيفية استدراك الأمر، والعودة إلى الأصول المتمثلة في تحديد المسؤوليات والأدوار بين شركاء المركب العالمي الواحد، والعمل معاً لئلا تخرج الأمور عن السيطرة أكثر مما هي عليه في الواقع.

جنباً إلى جنب جلس قادة عالميون مثل الرئيس الفرنسي ماكرون، ورؤساء وزراء كل من النرويج وبريطانيا وكندا مع نظرائهم في عالم التكنولوجيا وتحيداً مسؤولي الشركات الكبرى وهي غوغل، وفيسبوك، وتويتر، وأمازون، وميكروسوفت، وآي بي إم.

المناخات السائدة في اجتماعات العام الحالي تختلف عما كان الأمر عليه في الاجتماع الأول عام 2018، إذ لم يعد بمقدور عمالقة التكنولوجيا والإنترنت التنصل من مسؤولياتهم من خلال التذرع بأنهم إنما يوفرون منصات تشبيك فقط، ولا يتحملون مسؤولية ما يجري فيها وعبرها. فإذا كانت مثل هذه الحجج قابلة للتسويق في ما مضى، فإن المخاطر اليوم أكبر من أن تسمح بذلك، لأن النار وصلت إلى بيوت الملايين من الناس، ولم يعد الانتظار ممكناً بحيث تتكرر مثل تلك الفواجع وتلتهم المزيد من الأرواح. 

في تلك القمة الفريدة التي اجتمع فيها السياسيون وأصحاب البزنس والتكنولوجيا، يخرج المرء باستنتاجات ربما تصلح كعناوين لنقاش عالمي مفتوح، أولها أن تحديات عالم اليوم تحتاج إلى شراكة حقيقية ومسؤولة وعابرة للحدود؛ شراكة تقوم فيها الأطراف بمراجعة جذرية للمفاهيم والفرضيات التي درجت عليها بشأن ترسيم الحدود بين مسؤوليات كل طرف. ففي عالم اليوم، بات لدينا مسؤوليات مشتركة ومتداخلة، لأن المخاطر لا تفرّق بين عرق وآخر، أو بين دين وآخر.  

ثمة أمر مهم يتعين على الجميع وضعه في مختبر المراجعة الدقيقة، ألا وهو مفهوم الحرية الذي يتخذه البعض مدخلاً للعبث بمصائر الناس. إن الحرية المنفلتة شأنها شأن الكبت المطلق، كلاهما يفتح صندوق الشرور، ويهيئ تربة خصبة لإذكاء نار الكراهية والتطرف.

أما الدرس الأوقع، والذي يمكن استخلاصه من هذه القمة وما سبقها من ملابسات فهو أن التكنولوجيا مهما تطورت وعلا شأنها، فإن الإنسان هو الذي يجب أن يقودها، وليس العكس. لذلك، فإن الاقتراح الذي قدمه مارك زكربيرغ، مؤسس فيسبوك، خلال القمة، والمتمثل في تطوير منظومة ذكاء اصطناعي تعمل على استشراف المخاطر والتنبؤ بنزعات الكراهية على شبكات التواصل الاجتماعي، لم يلق الحماس الذي كان يتوقعه صاحب الاقتراح، والسبب، كما أشار بعض المحللين هو إن فيسبوك نفسه ثمرة ذكاء اصناعي، ومن المستبعد أن يأتي ذكاء صناعي ليحل مشاكل ناجمة عن ذكاء صناعي آخر ما لم يكن الإنسان هو الذي يمسك دفة القيادة من خلال استعادة دوره الفاعل في التشريع والتنفيذ والرقابة.

إن تجسيد شعار "التكنولوجيا من أجل الخير" الذي انعقدت عليه القمة، يتطلب مقاربات نوعية تأخذ في الاعتبار الجوانب الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والأمنية وغيرها. وبخلاف ذلك، فإن هذا الشعار يظل... شعاراً.

حمد عبيد المنصوري